تجاوز إلى المحتوى

الشوكة

الداء والدواء في راب برمودا جيز

هيثم سعيد 5 دقيقة قراءةمشاركة
الشوكة

في علم الاجتماع الحضري يحكون عن شيء يسمونه "المكان الثالث"، وهو ببساطة ذلك الحيز الجغرافي الذي تذهب إليه لتتنفس، عندما يضيق بك بيتك (المكان الأول) وتتعب من عملك (المكان الثاني)، مكان تلتجئ إليه طواعية لتستعيد توازنك وتذوب فيه الفوارق الطبقية كالمقاهي، أو الساحات العامة، أو الحدائق الهادئة. 

لكن في هوامشنا المنهكة وفي أحياءنا الليبية الشعبية لا وجود لترف "المكان الثالث" بمعناه الناعم والآمن، فالبيوت ضيقة تضج بالإخوة والمشاكل وفرص العمل غائبة أو شحيحة والمقاهي الحديثة مغلقة بزجاجها المكيف وتفرض إقصاءًا لا نملك ثمنه، هنا يتقلص هذا المكان ليتحول إلى ركن شارع أو تقاطع صغير أو رصيف أمام محل مغلق أو حائط بلا نافذة يصلح للاتكاء عليه إنها "الشوكة"، لا لافتة تدل عليها ولا أحد يفتتحها، تتشكل من تلقاء نفسها بحكم التكرار وحده، نفس الوجوه في نفس الساعة واقفة أو جالسة على درج أو حجر أو بلوكة بلا وجهة محددة وبلا وقت للمغادرة

الكيش مدرسة: الشوكة هي التي تربي

تتقدم الشوكة لتلعب دور المؤسسة التربية البديلة واضعة قيمها وقوانينها الصارمة، في تراك "كيش مدرسة" والكيش هي المنطقة البنغازية التي انطلق منها كحلة لتأسيس فرقة برمودا جيز وعبر عنها أنها مدرسة، يصوغ منصور أناون هذا الانتماء الطبقي الخشن في بار مشحون بالتحدي:

“مانش high class، ضاربين خوصة ورصاص، من أنت في الأساس؟ الشوكة فينا هي اللي تربي”

هذا البار هو بيان هوية حاد، نفي الانتماء للطبقة المخملية يُأكد باستحضار أدوات الشارع الدفاعية وهي الخوصة (السكين) والرصاص، ليأتي الجواب عن سؤال الجذور بإحالة مباشرة إلى الشوكة بوصفها الأب الروحي والمربي الفعلي من خلال الممارسة اليومية على الرصيف وعبر قوانينه القاسية غير المكتوبة.

وعلى هذا الرصيف لا مكان للتروي فالغريزة والدفاع الاستباقي هما شرط البقاء الوحيد، يختصر كحلة هذا المنطق الشرس في تراك "القابينة" بجملة واحدة مكثفة:

"الشارع قبل ما يوعي يضرب"

الشارع هنا كائن غريزي يتحرك باندفاع يضرب فورًا قبل أن يتشكل الوعي أو يفكر المرء في العواقب، ومن هذا العنف والضيق اليومي يخرج صوت الراب كفعل تنفس قهري واحتجاج داخلي وهو ما يصفه منصور أناون في تراك بنفس الاسم "القابينة":

"كحينا صوت الناس الكادحة"

الراب هو كحة خشنة تخرج من صدور كتمت الغبار والتهميش وضيق الحال طويلًا لتلفظ آلام الكادحين.

عيادة الحي ومخدر الانتظار

تكتسب نصوص برمودا جيز خصوصيتها من استعارات تحكم معجمهم بالكامل إذ تبدو تراكاتهم كملفات مرضية داخل مشفى من خلال عناوينها مثل "فارمسي"، "روشيتا"، و"انعاش". والحي أو "الجلوة" هو المرض والدواء في آن واحد، لخص منصور هذه الدورة المغلقة في بار ردده مرارًا كعقيدة وجودية في أكثر من تراك:

"نداووا في الجلوة المريضة"

 أو كما صاغها في تراك "ريبورت":

"نداووا في الجلوة والجلوة دوانا"

هنا تكمن تراجيديا "المكان الوحيد" فالمكان الذي يمرضك هو ذاته المكان الوحيد الذي تلتمس فيه الشفاء، لا مهرب من الجلوة إلا إليها، والعيادة المتاحة ملوثة بنفس الداء الذي أصابك، وهذا الانتظار الطويل للشفاء وتحسن الأحوال على نفس الرصيف يتحول إلى مخدر بطيء المفعول، وهو ما يشرحه كحلة في تراك "فارمسي" :

"يعالج اللي قاله اصبر بكره تمشي تدور الدسكة صبى صدق الكذبة يراجي تبرم العجلة مصبي في نفس الشوكه يدور في توبو كنشة"

الشاب هنا يقف على الشوكة مصدقًا كذبة "اصبر، بكرة تمشي الأمور" منتظرًا أن تدور عجلة الزمن والفرص لصالحه، لكنه في النهاية يكتشف أنه يدور في حلقة مفرغة واقفًا في نفس النقطة باحثًا عن هرب مؤقت وتسكين للألم في "توبو كنشة" (أداة تعاطي الحشيش) ليسكن وجع الانتظار بينما العمر يتآكل على نفس الرصيف. 

وهذه الشوكة لا تكتفي بامتصاص العمر هي أيضًا تتربص بالواقفين فيها كوحش جائع كما يحذر منصور في "روشيتا":

"جلوتنا شوكتنا تسهى تعشى بيك"

الولاء للشارع صفقة خطرة لحظة سهو أو غفلة واحدة كفيلة بأن تلتهمك الشوكة وتحولك إلى ضحية أخرى، وحتى الروابط الإنسانية والصداقات الحميمة التي تولد في هذا الحيز تنهار تحت وطأة الانسداد الاجتماعي والاقتصادي، لتنتهي ببيع كل شيء، كما يعبر منصور بمرارة في "ريبورت":

"نسينا جلوتنا قدرنا صحبتنا شوكتنا باعتنا بالرخص لأبليس"

من الشوكة إلى الفلوكة 

حين تحكم الشوكة قبضتها على الأفق يفقد مفهوم النجاح معناه وقيمته المعيارية، يطلق كحلة رصاصته الوجودية في تراك "كر زناد":

"كيف تبي روحك ناجح والناجح عالشوكة مصبي"

هذا السؤال يضرب فكرة الترقي الاجتماعي فإذا كان مصير الشخص الناجح والمتميز في هذا المجتمع الهامشي هو الوقوف بلا أمل على نفس الرصيف فإن السعي يصبح ضربًا من العبث الدائري. الشوكة هنا هي المقبرة الأحلام التي تتساوى عندها كل النهايات.

هذا العجز يولد رغبة عارمة في الخلاص لكن التنقل الأفقي بين الشوكات لا يجلب سوى نفس الوجع كما يقول كحلة في "كيش مدرسة":

"نفس الدسكة جلوة مسخ عالشوكة تبيني"

ويضيف في بار آخر يصف رحلته العبثية في فضاءات الهامش:

"من الشوكة لشوكة سحاب أسود داكن مسني"

السحاب الأسود الداكن يظل ملازمًا لخطواته أينما رحل لأن الانتقال من رصيف إلى آخر لا يغير من حقيقة السجن الخانق وهنا يبرز المخرج الوحيد والمتطرف: الفلوكة، يتحول الحلم بالبحر إلى هوس جماعي للخلاص من جحيم الشوكة، في تراك "6 مللي" يختصر كحلة هذا المسار المغلق:

"صبينا على الشوكة حلمنا بفلوكة والموت اختصار"

تبدأ بالوقوف الطويل على الرصيف ينضج فيها الحلم بركوب البحر كحل آخير، وفي تراك "كوازاكي" تكتمل مأساة هذا الرحيل القلق:

"جيراني تحلم بفلوكة بنغازي الموتة موضة كريت القفا يا امي بالك تزهى الحرقة في طيارة"

يحمل الشاب حقيبته في بلاد أنهكتها الصرعات متجهًا للمجهول متمنيًا بمرارة لو كان هذا الرحيل آمن وكريم كرحلة طيران عادية بدلًا من مغامرة "الحرقة" القاتلة في قوارب الموت، ورغم وحشة هذا الرحيل يظل الوفاء لأيام الشوكة، يقول كحلة في تراك "اماتش":

"اليوم واعي براني غربة مابعتش أيامي"

العيش كغريب (براني) في بلاد الغربة صعب لكن الوفاء لأيام الشارع القديمة يظل حيًا لا يباع، ويكمل في نفس التراك صياغة دستور الصمود:

"نحن ندوموا علي العهد حتى كان مادامش معانا حتى لو باتن قلوبنا مليانة ساتر عيبي هكي الشارع وراني اللي ينشف بسرعة ماتزرعش في جنانة"

مغادرة الشوكة 

تكمن القوة في تجربة برمودا جيز في كون نصوصهم لم تكن مجرد تمثيل فني للواقع، بل كانت نبوءات دفع أصحابها أثمانها كاملة في حياتهم الشخصية.

كحلة جسد البار الخاص به حرفيًا، "كر القفا" وحمل حقيبته ليرحل وبالك تزهى الحرقة في طيارة، ليعيش اليوم كـ"براني" حاملًا غيمته السوداء وذكريات الشوكة في قلبه دون أن يبيع أيامه القديمة. وبعد هجرته انقطع كحلة عن الراب سنتين كان منصور خلالهما وحده نشطًا على الساحة يواصل الكتابة والغناء، قبل أن يعاود كحلة الكتابة والغناء من الغربة مع أدرينالين، ليعتزل منصور الراب مؤخرًا.

أما منصور أناون الذي ظل لسنوات صوتًا وفيًا للشوكة والجلوة المريضة، وطرح ألبومه الوحيد "داري" واعتلى المسرح لأول مرة في عرض حي مبهر فاجأ الساحة الفنية بإعلان اعتزاله الراب نهائيًا، ربما كان اعتزاله هو خروجه الخاص والنهائي من الشوكة، والاعتراف الصامت بأن الموسيقى لم تعد كافية لمداواة الجلوة المريضة.

انسحب منصور وصمت، وهاجر كحلة وتغرب، لتكون قصة برمودا جيز حتى الآن كـ"ألقاء من وسط الشوكة حقيقة تلحق رثاء" كما قال منصور في تراك "انعاش"، ولاتزال الشوكة في الكيش وكل هوامش بلادنا لا تزال هناك ينتظر أقدامًا جديدة لتقف وجيلًا جديدًا يصدق كذبة الصبر بانتظارعجلة لن تدور.

هيثم سعيد

محرر في رثم. يكتب في موسيقى.

النشرة البريدية

استمر مع رثم — أبرز القصص في بريدك أسبوعياً.